المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحركة اليسارية في الخليج أزمة مبادئ أم خلل مواقف?(1)


admin
19-07-2006, 10:51
مهنا الحبيل

التطورات الفكرية والإجتماعية والسياسية في منطقة الخليج أحدثت تفاعلات عدة على صعيد مواقف التيارات الفكرية في المنطقة خاصة مع تزامن هذه التطورات مع مشروع أمريكي شامل للمنطقة استوعب كليا حركة النضال العمالية التي كانت أهم روافد الفكر اليساري المناهض للإستبداد الامبريالي الذي رعته وترعاه الولايات المتحدة وبريطانيا سابقا وحاليا.

هذا التفاعل قاد إلى ما يشبه الانقلاب في موقف بعض الشخصيات والجمعيات التي كانت تحسب دائما في العهد الثوري على خط الوعي التقدمي اليساري المقاوم لمشروع الهيمنة الدولية الانجلوساكسون في العالم بحيث أصبحت بعض هذه الشخصيات والجمعيات أدوات مباشرة للمشروع الأمريكي .

بل شكل منهج العمل اليساري الذي قامت به تلك الفعاليات إلى تحولها إلى عملية الوسيط والعراب بين الحركة الصفوية ورجالات واشنطن وتحول الخطاب إلى خدمة الفكر اللاهوتي المنحرف مع المشروع الأمريكي للهيمنة في ازدواجية غريبه تعرب بكل تأكيد عن أزمة تاريخية للحركة اليسارية في الخليج تقودها نحو ما يشبه الانتحار السياسي.

وأنا هنا أفرز قطاعا من المناضلين الأحرار الذين أبو أن يشاركوا في مشروع المزاوجة بين قطبي المشروع الإمبريالي الاستبدادي الذي يزحف على المنطقة تحت عمائم طهران وقبعات واشنطن ولكن ومع الأسف الشديد غياب تلك الطلائع الحرة عن المشهد السياسي أو تغييبهم جعل عرابي اليسار المهجن يسيطرون على الموقف الذي يُربط بحركة اليسار الخليجي .

وقبل أسبوعين قرأت في وسائل الإعلام عن زيارة قام بها د.أحمد الخطيب الرمز النضالي اليساري المعروف في الكويت ومنطقة الخليج العربي إلى مقر حزب الأمة الكويتي ذوالأيدولوجيا الإسلامية البارزة فكرا ومشروعا .

زيارة د.أحمد الخطيب تاريخية بكل المعاني لماذا؟ وهذا يدخل في صلب المقال:
لأن القطيعة التي تعززت بصورة غير مبررة وغير منطقية بين الحركة اليسارية والتيار الإسلامي في الخليج العربي استمرت عقودا رغم الأحداث الكبيرة التي اجتاحت المنطقة!

هناك أسباب عديدة يتشارك فيها التيارين المسئولية وربما كان الخطاب السائد لدى الحركة اليسارية أن الخطاب الديني كان دائما في صف السلطة ومعاديا للتيارات الثورية ومحرضا عليها إضافة إلى جملة من المعايير التي تطرحها أدبيات الفكرة اليسارية لكن الطريف ان كل هذه المعايير قد انقلبت إلى الطرف الآخر بعد الانقلاب الكامل في موقف الحركة اليسارية فانقلب التحريض والاستئصال من النطاق المحلي إلى النطاق الدولي مستثمرة بعض الأحداث والرموز حالة المواجهة الكبرى بين المشروع الأمريكي والتيار الإسلامي لدعوة الطرف المحلي المتحالف مع واشنطن بناء على مصالحه التقديرية وكذلك دعوة الأمريكيون مباشرة إلى تعزيز استئصالهم للتيار الإسلامي.

لا أريد أن أخوض في تفاصيل هذه القضية والتي يطول البحث فيها بما لايسع في هذا المقال لكنني أعتقد أنه من المفيد للحركة اليسارية أن تدرك حقيقة خطيرة في العمق الفكري للتيار الإسلامي فالخطاب الديني الموجه الذي استثمر فترات في مواجهة المشروع القومي العربي الناصري والقائم على تفسير كهنوتي منحرف عن مفاهيم الوعي الإسلامي القائم على الإستقلال والنزاهة والعدالة والمساواة والحرية في جانب وجانب آخر هو ماواجهه تيار الوعي الاسلامي الاصيل من حصار واستئصال من الطرف الآخر هذه المواقف لاتكفي كي يتخذ منها شماعة للهروب من قراءة الوعي الاسلامي الجديد ومبادرته لقراءة النص الشرعي ومباديء الفكر الاسلامي.

اما محاور الحراك الفكري السياسي الاخرى فهي قد تخضع لمعيار التقاطعات بين اي تيار ومؤسسة سياسية او تيار آخر اذا كان ذلك من المباديء الاساسية للتيار والتيار الاسلامي واحدا منها اما اذا كانت صفقة على حساب مصالح الشعب وهويته فالمسئولية على من نفذ الصفقة وليس على الفكر .

وقد لفت نظري مؤخرا أحد زملائنا من رموز الفكر اليساري حين بدء يعرض لسيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي حقق به الإسلام رسالته الربانية في النظام العدل الذي لم تعرفه البشرية إلا بعهد المصطفى وخلفائه الراشدين برؤيته هو وليس عبر رؤية الآخرين وهذه خطوة ايجابية .

إن إدراك هذه الحقيقة ستساعد المنصفين من طلائع الحركة اليسارية ومفكر يها لإعادة قراءة التاريخ والمنهج الذي تقوم به الحضارات الإنسانية وحينها سوف ينتهون إلى أنهم ينتمون إلى حضارة وقيم وليس جغرافيا فقط تلك الحضارة التي اختلطت بإنتماء الإنسان العربي حتى باتت جزءاً منه ومن ضميره ومن حياته.

اليسار المؤمن..اليسار الملحد!!
هذه القضية مفصلية في تاريخ علاقة الحركة اليسارية بالمجتمع العربي في الخليج فلقد تطور اليسار الدولي وتحديدا في أمريكا اللاتينية وتخلص من الكليات الإيمانية في الماركسية الإلحادية أو الاشتراكية العلمية بل أن الزعيم الدولي العظيم الذي يقود طلائع التحرر في أمريكا اللاتينية قد كسر هذه القاعدة مطلقا حين أخرج الإنجيل في حملته الإنتخابية وقبله ورفعه عاليا وقال والجمهور يهتف له نعم نحن مع السيد المسيح مباشرة وليس عبر من سرقوا الإنجيل وسرقوا المسيح في دلالة على الوجه الأمريكي البشع المدعوم من قوى التبشير الاستعمارية .

هذه القضية لها عمق مضاعف في الوطن العربي إجمالا والخليج خصوصا لأن هذا الشعب العربي في الخليج يؤمن إيمانا مطلقا برسالته الإسلامية ومفاهيمها العظيمة وأخص من ذلك ايمانه بأن الرسالة الإسلامية تجاوزت وبقوة كل الحملات التي وجهت لها أيدلوجيا وفلسفيا وآمن الناس عبر المعرفة العلمية الخالصة وعبر العاطفة الراشدة المجللة بالحقائق المدللة على الإيمان الغيبي الصحيح بعظمة هذا الدين وقدرته على انتصارالبشرية وإقامة نظام حياتها.

ولذا أعتقد جادا بأن الزملاء في الحركة اليسارية واقصد الجناح الإلحادي أو العلماني الإستئصالي يحتاجون إلى انتظار قيام الساعة حتى يتحقق لهم بيئة فكرية تناسب الإشتراكية العلمية في الخليج .

حين تحسم هذه القضية هنالك محاور أخرى ومدارات كان بإمكان العمل اليساري أن يتقدم لها ويلتحم في البناء والتثقيف مع الإنسان العربي في الخليج.

اليسار في مواجهة البلورتاريا ؟
أحد الإشكالات الرئيسية في الخلفية التي بنيت عن مواقف الحركة اليسارية في الخليج هي تناقض المبادئ والمواقف في حين كان اليسار اللاتيني مع الكادحين والفقراء والعمال ولم يصادم قناعاتهم الإيمانية عطفا على الفكر الموجود في أمريكا اللاتينية فإن العكس حصل في الخليج العربي وهذا لا ينفي الحضور القوي والفاعل للحركة اليسارية حين كانت تحت مظلة التيار القومي العربي في المنطقة واتحادها مع قوى الشعب الذي أمن بتطابق الفكرة الإسلامية مع حركة النضال العمالية التي واجهت الإقطاع الأجنبي في شركات النفط وغبن العمال الوطنيين وواجهت ضخ تلك الثروة إلى مصادر الدعم الدولي للكيان الصهيوني في تاريخ المواجهات العربية الصهيونية لكن الحركة انكفأت بعد ذلك انكفائا شديدا حين تصدر الوعي الإسلامي الخطاب الثقافي والتربوي لدى جميع طبقات البرلوتاريا في المجتمع عمال وفلاحين وكادحين من أطياف شتى وبات ترديد مصطلحات الإقطاع والبرجوازية في مقابل الطبقة الكادحة ضربا من العبث في أدبيات الحركة اليسارية وذلك لاتخاذها مواقف معادية من هذه الطبقات لسبب واحد هو انتشار التدين في أوساطها ولربما سخر بعض مفكري اليسار من قريب له يكدح في جوانب الأرض ثم يؤوي إلى بيته يقبل يد والديه صباح مساء في بيته المتواضع مع عدد من الصبية يرضى فيه بالقليل والعفاف لأن هذه البلوتاريا الكادح يؤم المسجد خمس مرات ويُسبّح ليلا ونهارا ويقوم من الليل ما كتب الله له فافرزه هذا المثقف اليساري من قائمة الإنتماء ثم مضى يهوي عليه وعلى امثاله الكثر بلسانه وقلمه ويشجع الإمبريالية الأمريكية والبرجوازية المحلية ضده لمجرد أنه متدين أو لم تعجبه لحيته!!.

هذه الصورة تمثل نموذجا خطيرا لصورة الخطاب اليساري الحالي في مهاجمة المجتمع في منطقة الخليج العربي تقلب مبادئه المعلنة التي لا يزال اوغو شافيز وايفو موراليس يكافحون عنها هناك فيما هي هنا تحالف سيئ بين هذه الطلائع الخليجية لليساريين والامبريالية والأمريكية وأقف هنا كي أستكمل أخطر حلقات الخلاف القومي والإستراتيجي بين المجتمع العربي في الخليج والحركة اليسارية لأخصص المقال القادم له باذن الله فالى اللقاء...