قــرار
11-08-2006, 00:45
هدى الحسيني
الشرق الأوسط
لمن يجب ان تُعلق المشانق في لبنان ومتى وهل يمكن استثناء أي سياسي لبناني، بعد الذي حل بلبنان واللبنانيين من استباحات متكررة؟ أو هل يمكن استثناء اي سياسي أو عسكري سوري أو إيراني مع استمرارهم في التدخل في لشؤون الداخلية اللبنانية.
وزير الخارجية السوري وليد المعلم كان شاهد قبل شهر من الجو الطائرات الاسرائيلية وهي تقصف لبنان وتدمره عندما كان متوجهاً إلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عُقد في القاهرة، فأظهر له الدمار والحرائق أهمية فكرة عقد المؤتمر في غزة. ويوم الأحد الماضي شاهد المعلم دمار لبنان على الطبيعة» وأعطاه ذلك قوة فاذا به يقول: إن بلاده مستعدة لحرب إقليمية... إذا ما هاجمتها اسرائيل. مع ان المعلم يعرف كما نعرف ان اسرائيل ابلغت سوريا علنا، انها حتى الآن لا تفكر بتوجيه ضربة عسكرية لها. ويمكن للبنان بناء على تصريحات المعلم ان يلغي اتفاقية التعاون والتنسيق بين البلدين كي لا تزداد سوريا احراجاً. بعدها هدد المعلم بان حربا أهلية تنتظر لبنان اذا ما صدر قرار عن مجلس الامن يدعو الى نشر قوات دولية في الجنوب. اذاً ستنتهي حرب اسرائيل في لبنان، اذا انتهت، ليغرق النازحون اللبنانيون في حرب اهلية، هكذا قررت وربما هذا ما تعمل دمشق عليه.
سبق المعلم في الرفض زميله الايراني منوشهر متقي وكأن لبنان مقاطعة ايرانية. ليست مستغربة تصريحات الاثنين، إذ قال ايضاً محسن رضائي القائد السابق للحرس الثوري الايراني: «ان ايران تدعم حزب الله ليس من اجل لبنان فقط ، بل لأن امنها القومي مرتبط بالأمن القومي لفلسطين، ولبنان، وسوريا. ان ايران ذات اهمية قصوى في الشرق الاوسط والحرب في لبنان ستتمدد من دون شك الى سوريا وفلسطين، لهذا تساعد ايران حزب الله الآن، نتيجة التضامن بين المسلمين وخصوصا بين الشيعة».
لكن تبقى هذه التصريحات للاستهلاك المحلي بوجهيه السوري والايراني، ذلك ان تدمير قدرات حزب الله العسكرية هو تدمير لقدرات الردع والتصدي الايرانية، وتحييد لنفوذها في الشرق الاوسط. ثم ان لا ايران ولا سوريا تريدان صراعاً عسكرياً مع اسرائيل، ويدرك رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت هذه الحقيقة، والعمليات العسكرية الوحشية على لبنان هي رسالة اسرائيلية واضحة الى دمشق وطهران بايقاف الدعم العسكري والمالي الى حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الاسلامي في غزة.
ثم ان سوريا، أكثر من ايران تحاول جاهدة تجنب المواجهة العسكرية مع اسرائيل، بسبب موقع دمشق الجغرافي، فسوريا تربطها حدود مشتركة مع اسرائيل، كما ان وضع حكومة بشار الاسد داخل سوريا هو اضعف من وضع الحكومة الايرانية الحالية. والضعف الذي تعاني منه سوريا يقلق ايران لانه قد يؤثر على موقعها الاقليمي، لهذا وكما يقول لي احد المحللين الاوروبيين، قد تُجبر ايران على تغيير موقفها المتشدد من الازمة في لبنان، اذا ما كشفت اسرائيل عن نية حقيقية في توسيع الصراع العسكري ليشمل سوريا. وعلى الرغم من وعود الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للرئيس السوري بأن ايران سترد على اسرائيل اذا ما هاجمت سوريا، إلا أن ليس لدى طهران قدرات عسكرية او ارادة سياسية لمواجهة عسكرية مع اسرائيل قد تتدخل فيها من دون ادنى شك الولايات المتحدة.
لكن ما سر العلاقة بين ايران وسوريا؟ يقول محدثي، ان حزب الله هو الحليف الاقليمي الاساسي لايران وسوريا، وان الدولتين تلعبان دورا رئيسيا في دعم الحزب في عملياته الحالية اذ منذ نجاح الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 (كانت سوريا الدولة الثانية بعد الاتحاد السوفياتي التي اعترفت بنظام آية الله الخميني)، والدولتان تلتقيان في تحالف استراتيجي ومصالح مشتركة في الشرق الاوسط .
بعد عمليات 11سبتمبر، وسقوط نظام طالبان في افغانستان ونظام صدام حسين في العراق تغير التوازن السياسي في الشرق الاوسط. شكلت القوات الاميركية القريبة من الحدود السورية تحديا مباشرا لاستقرار النظام السوري، وتزايدت الضغوط الاميركية على دمشق بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وقد ادى انسحاب القوات السورية من لبنان الى كشف نقاط ضعف النظام السوري وقلص من خياراته الاستراتيجية في المنطقة، بعدما كانت سوريا استفادت كثيرا اقتصاديا وسياسيا من وجودها في لبنان. كما ان مضاعفة الضغوط الدولية على سوريا عقب اغتيال الحريري زادت من الانقسامات الداخلية فيها، وبدا اخيرا تنامي الخلافات الطائفية والقبلية والطبقية بقوة الى درجة ان نظام بشار الاسد بات يواجه تحديا لاستقراره. ونشرت صحيفة «الهيرالد تريبيون» الاسبوع الماضي تحقيقا يكشف عن الخلاف السني ـ الشيعي الذي صار ملحوظا في سوريا، وكيف ان الكثير من السوريين لا يؤيدون حزب الله، عكس ما تدّعيه الصور المرفوعة التي تجمع ما بين بشار الاسد وحسن نصرالله وأحمدي نجاد.
اما بالنسبة الى ايران، كما يقول محدثي، فانها تأثرت بالاوضاع السياسية المستجدة. هي رحبت بسقوط عدويها اللدودين، نظام طالبان السني في افغانستان، والنظام البعثي في العراق، لكن وجود القوات الاميركية في هاتين الدولتين المجاورتين مباشرة لها، شكل تهديدا لنظامها. انما وبعكس وضع سوريا تتمتع ايران باوراق كثيرة، فهي من اكبر مصدري النفط، وتسيطر على خليج هرمز ومنكبة على برنامج نووي، وبالمقارنة مع سوريا فانها تلعب دورا اقليميا اكبر. وبسبب موقعها الجغرافي فانها قادرة على ترك بصماتها في مناطق كثيرة مختلفة لاسيما في آسيا الوسطى، في حين انه ليس لدى دمشق مثل هذه الخيارات او الثروات او القدرات.
لكن هذه الفوارق لا تلغي الاهداف المشتركة التي تجمع ايران وسوريا، فهما يتعاونان ضد الاميركيين في العراق، ويقدمان الدعم المالي، واللوجستي، والعسكري لحزب الله في لبنان بعدما ألغت سوريا هيكلية الدولة اللبنانية باختيارها اشخاص تابعين لها ليشغلوا ما ظل يُسمى بالمناصب الرفيعة، بحيث ملكوا وما حكموا، اذ كان الحكم لعنجر ودمشق.
وتتجاوز الاهداف المشتركة الايرانية ـ السورية الحدود اللبنانية، فالدولتان تتمنيان تقليص الدور الاقليمي للقوى السنّية، خصوصا الدور السعودي والدور المصري، لأن تنامي الدور الاقليمي لهاتين الدولتين يشكل خطرا على المصالح السورية والايرانية. ويقول المحلل الاستراتيجي الاوروبي، انه بالنسبة لايران فان تنامي دور الانظمة السنيّة في الشرق الاوسط يشكل تحديا لدورها الاقليمي ذي القاعدة الشيعية، وبالنسبة الى سوريا فان تنامي دور السنّة الاقليمي يمكن ان يحّرك الاغلبية السنّية في سوريا لتتحرك ضد النظام العلوي فيها. ويضيف محدثي، ان المصالح الاستراتيجية للدولتين قد تتغير، ذلك ان ايران تنظر الى اي اتفاق ما بين سوريا واسرائيل كخطر عليها لانه يفقدها حليفها الاقليمي الوحيد، كما ان سوريا لا ترتاح الى اي تقارب ايراني ـ اميركي حول المسألة النووية الايرانية، لأن هذا سيزيد من قوة ايران الاقليمية فيصعب على دمشق لاحقا لعب اي دور سياسي فعال.
ويصل محدثي الى تطلعات حزب الله ضمن هذه المعادلة، فالحزب باتخاذه قرار الحرب في لبنان، تطلع الى تقوية وضعه على الساحة السياسية اللبنانية، وهو اذا ما انتصر حسب تصوره يمكنه ان يحكم لبنان ويحوله الى دولة اسلامية على الطراز الايراني، ولا يعود احد يتكلم عن القرار الدولي 1559. ومنذ انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 وايران وسوريا تزودانه بترسانة من الاسلحة والصواريخ لاكمال دائرة الاستحكام.
ان دعم سوريا وايران لحزب الله والمنظمات الفلسطينية المتطرفة الاخرى يدخل في سياستهما لمنع اي اتفاق سلام فلسطيني ـ اسرائيلي، لأن اي اتفاق لا بد وان يكون ضد مصالحهما، والسلام بين اسرائيل والفلسطينيين يعني نهاية القضية الفلسطينية، وهي القضية الوحيدة التي تحرك الشارع العربي والاسلامي، والتي تعتقد ايران ان السيد حسن نصرالله نجح في مواجهته لاسرائيل، بكسب ذلك الشارع. ثم ان اي سلام فلسطيني ـ اسرائيلي يُعتبر هزة استراتيجية لسوريا وايران، فهو يضعف سوريا ويؤثر على مفاوضاتها مستقبلا مع اسرائيل لاستعادة الجولان، ويقلق ايران لأنه قد يؤدي الى تهدئة العلاقات العربية ـ لاسرائيلية، الامر الذي من شأنه ان يعزل طهران.
يستبعد محدثي، اذا ظلت العمليات الاسرائيلية محصورة في لبنان، ان تنتهي قريبا، لأن ايران تريد الاحتفاظ بورقة حزب الله كوسيلة ضد الانظمة العربية وتريد الاستمرار في اظهار صداقتها كدولة شيعية للفلسطينيين، لأن هذا يساعدها في بحثها عن دور اقليمي فاعل. اما سوريا، فانها تريد ان تظل تضغط كي يستمر حزب الله في مواجهاته مع اسرائيل، لأن هذا لا بد ان يؤدي الى حرب اهلية في لبنان، الامر الذي يسمح لها باستعادة نفوذها فيه. لكن ليس مضمونا ان يبقى لبنان المسرح الوحيد لتلقي الضربات التدميرية الاسرائيلية، كما ان الدعم الايراني ـ السوري لحزب الله قد يضعف اذا ما هددت اسرائيل بتوسيع الحرب اقليميا.
من جهة اخرى ، يرى سياسي لبناني، ان اللعبة التي تورط فيها حزب الله، قد تؤدي الى ما هو اخطر من المراهنات السورية ـ لايرانية، وان السيد حسن نصرالله ادرك متأخرا وقوعه في الفخ، وان لبنان مقبل على توطين الفلسطينيين في جنوبه، ومقبل على ما يشبه التقسيم بحيث يصبح الشيعة في البقاع، حتى اذا ما جاء دور تقسيم سوريا كان سهلا ضمهم الى الدولة العلوية في سوريا.
إن الشرق الاوسط الجديد الذي قال السيد حسن نصرالله انه سيقاتله، ربما يكون قد بدأ عندما خطف حزب الله في 12 تموز (يوليو) الماضي جنديين اسرائيليين وقتل ثمانية اخرين في كمين نصبه لدورية وراء الخط الازرق على الحدود.
(( بغض النظر عن موافقتنا لكل أفكار المقال .. ولكن هناك حروف بين السطور تستحق التفكير))
الشرق الأوسط
لمن يجب ان تُعلق المشانق في لبنان ومتى وهل يمكن استثناء أي سياسي لبناني، بعد الذي حل بلبنان واللبنانيين من استباحات متكررة؟ أو هل يمكن استثناء اي سياسي أو عسكري سوري أو إيراني مع استمرارهم في التدخل في لشؤون الداخلية اللبنانية.
وزير الخارجية السوري وليد المعلم كان شاهد قبل شهر من الجو الطائرات الاسرائيلية وهي تقصف لبنان وتدمره عندما كان متوجهاً إلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عُقد في القاهرة، فأظهر له الدمار والحرائق أهمية فكرة عقد المؤتمر في غزة. ويوم الأحد الماضي شاهد المعلم دمار لبنان على الطبيعة» وأعطاه ذلك قوة فاذا به يقول: إن بلاده مستعدة لحرب إقليمية... إذا ما هاجمتها اسرائيل. مع ان المعلم يعرف كما نعرف ان اسرائيل ابلغت سوريا علنا، انها حتى الآن لا تفكر بتوجيه ضربة عسكرية لها. ويمكن للبنان بناء على تصريحات المعلم ان يلغي اتفاقية التعاون والتنسيق بين البلدين كي لا تزداد سوريا احراجاً. بعدها هدد المعلم بان حربا أهلية تنتظر لبنان اذا ما صدر قرار عن مجلس الامن يدعو الى نشر قوات دولية في الجنوب. اذاً ستنتهي حرب اسرائيل في لبنان، اذا انتهت، ليغرق النازحون اللبنانيون في حرب اهلية، هكذا قررت وربما هذا ما تعمل دمشق عليه.
سبق المعلم في الرفض زميله الايراني منوشهر متقي وكأن لبنان مقاطعة ايرانية. ليست مستغربة تصريحات الاثنين، إذ قال ايضاً محسن رضائي القائد السابق للحرس الثوري الايراني: «ان ايران تدعم حزب الله ليس من اجل لبنان فقط ، بل لأن امنها القومي مرتبط بالأمن القومي لفلسطين، ولبنان، وسوريا. ان ايران ذات اهمية قصوى في الشرق الاوسط والحرب في لبنان ستتمدد من دون شك الى سوريا وفلسطين، لهذا تساعد ايران حزب الله الآن، نتيجة التضامن بين المسلمين وخصوصا بين الشيعة».
لكن تبقى هذه التصريحات للاستهلاك المحلي بوجهيه السوري والايراني، ذلك ان تدمير قدرات حزب الله العسكرية هو تدمير لقدرات الردع والتصدي الايرانية، وتحييد لنفوذها في الشرق الاوسط. ثم ان لا ايران ولا سوريا تريدان صراعاً عسكرياً مع اسرائيل، ويدرك رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت هذه الحقيقة، والعمليات العسكرية الوحشية على لبنان هي رسالة اسرائيلية واضحة الى دمشق وطهران بايقاف الدعم العسكري والمالي الى حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الاسلامي في غزة.
ثم ان سوريا، أكثر من ايران تحاول جاهدة تجنب المواجهة العسكرية مع اسرائيل، بسبب موقع دمشق الجغرافي، فسوريا تربطها حدود مشتركة مع اسرائيل، كما ان وضع حكومة بشار الاسد داخل سوريا هو اضعف من وضع الحكومة الايرانية الحالية. والضعف الذي تعاني منه سوريا يقلق ايران لانه قد يؤثر على موقعها الاقليمي، لهذا وكما يقول لي احد المحللين الاوروبيين، قد تُجبر ايران على تغيير موقفها المتشدد من الازمة في لبنان، اذا ما كشفت اسرائيل عن نية حقيقية في توسيع الصراع العسكري ليشمل سوريا. وعلى الرغم من وعود الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للرئيس السوري بأن ايران سترد على اسرائيل اذا ما هاجمت سوريا، إلا أن ليس لدى طهران قدرات عسكرية او ارادة سياسية لمواجهة عسكرية مع اسرائيل قد تتدخل فيها من دون ادنى شك الولايات المتحدة.
لكن ما سر العلاقة بين ايران وسوريا؟ يقول محدثي، ان حزب الله هو الحليف الاقليمي الاساسي لايران وسوريا، وان الدولتين تلعبان دورا رئيسيا في دعم الحزب في عملياته الحالية اذ منذ نجاح الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 (كانت سوريا الدولة الثانية بعد الاتحاد السوفياتي التي اعترفت بنظام آية الله الخميني)، والدولتان تلتقيان في تحالف استراتيجي ومصالح مشتركة في الشرق الاوسط .
بعد عمليات 11سبتمبر، وسقوط نظام طالبان في افغانستان ونظام صدام حسين في العراق تغير التوازن السياسي في الشرق الاوسط. شكلت القوات الاميركية القريبة من الحدود السورية تحديا مباشرا لاستقرار النظام السوري، وتزايدت الضغوط الاميركية على دمشق بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وقد ادى انسحاب القوات السورية من لبنان الى كشف نقاط ضعف النظام السوري وقلص من خياراته الاستراتيجية في المنطقة، بعدما كانت سوريا استفادت كثيرا اقتصاديا وسياسيا من وجودها في لبنان. كما ان مضاعفة الضغوط الدولية على سوريا عقب اغتيال الحريري زادت من الانقسامات الداخلية فيها، وبدا اخيرا تنامي الخلافات الطائفية والقبلية والطبقية بقوة الى درجة ان نظام بشار الاسد بات يواجه تحديا لاستقراره. ونشرت صحيفة «الهيرالد تريبيون» الاسبوع الماضي تحقيقا يكشف عن الخلاف السني ـ الشيعي الذي صار ملحوظا في سوريا، وكيف ان الكثير من السوريين لا يؤيدون حزب الله، عكس ما تدّعيه الصور المرفوعة التي تجمع ما بين بشار الاسد وحسن نصرالله وأحمدي نجاد.
اما بالنسبة الى ايران، كما يقول محدثي، فانها تأثرت بالاوضاع السياسية المستجدة. هي رحبت بسقوط عدويها اللدودين، نظام طالبان السني في افغانستان، والنظام البعثي في العراق، لكن وجود القوات الاميركية في هاتين الدولتين المجاورتين مباشرة لها، شكل تهديدا لنظامها. انما وبعكس وضع سوريا تتمتع ايران باوراق كثيرة، فهي من اكبر مصدري النفط، وتسيطر على خليج هرمز ومنكبة على برنامج نووي، وبالمقارنة مع سوريا فانها تلعب دورا اقليميا اكبر. وبسبب موقعها الجغرافي فانها قادرة على ترك بصماتها في مناطق كثيرة مختلفة لاسيما في آسيا الوسطى، في حين انه ليس لدى دمشق مثل هذه الخيارات او الثروات او القدرات.
لكن هذه الفوارق لا تلغي الاهداف المشتركة التي تجمع ايران وسوريا، فهما يتعاونان ضد الاميركيين في العراق، ويقدمان الدعم المالي، واللوجستي، والعسكري لحزب الله في لبنان بعدما ألغت سوريا هيكلية الدولة اللبنانية باختيارها اشخاص تابعين لها ليشغلوا ما ظل يُسمى بالمناصب الرفيعة، بحيث ملكوا وما حكموا، اذ كان الحكم لعنجر ودمشق.
وتتجاوز الاهداف المشتركة الايرانية ـ السورية الحدود اللبنانية، فالدولتان تتمنيان تقليص الدور الاقليمي للقوى السنّية، خصوصا الدور السعودي والدور المصري، لأن تنامي الدور الاقليمي لهاتين الدولتين يشكل خطرا على المصالح السورية والايرانية. ويقول المحلل الاستراتيجي الاوروبي، انه بالنسبة لايران فان تنامي دور الانظمة السنيّة في الشرق الاوسط يشكل تحديا لدورها الاقليمي ذي القاعدة الشيعية، وبالنسبة الى سوريا فان تنامي دور السنّة الاقليمي يمكن ان يحّرك الاغلبية السنّية في سوريا لتتحرك ضد النظام العلوي فيها. ويضيف محدثي، ان المصالح الاستراتيجية للدولتين قد تتغير، ذلك ان ايران تنظر الى اي اتفاق ما بين سوريا واسرائيل كخطر عليها لانه يفقدها حليفها الاقليمي الوحيد، كما ان سوريا لا ترتاح الى اي تقارب ايراني ـ اميركي حول المسألة النووية الايرانية، لأن هذا سيزيد من قوة ايران الاقليمية فيصعب على دمشق لاحقا لعب اي دور سياسي فعال.
ويصل محدثي الى تطلعات حزب الله ضمن هذه المعادلة، فالحزب باتخاذه قرار الحرب في لبنان، تطلع الى تقوية وضعه على الساحة السياسية اللبنانية، وهو اذا ما انتصر حسب تصوره يمكنه ان يحكم لبنان ويحوله الى دولة اسلامية على الطراز الايراني، ولا يعود احد يتكلم عن القرار الدولي 1559. ومنذ انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 وايران وسوريا تزودانه بترسانة من الاسلحة والصواريخ لاكمال دائرة الاستحكام.
ان دعم سوريا وايران لحزب الله والمنظمات الفلسطينية المتطرفة الاخرى يدخل في سياستهما لمنع اي اتفاق سلام فلسطيني ـ اسرائيلي، لأن اي اتفاق لا بد وان يكون ضد مصالحهما، والسلام بين اسرائيل والفلسطينيين يعني نهاية القضية الفلسطينية، وهي القضية الوحيدة التي تحرك الشارع العربي والاسلامي، والتي تعتقد ايران ان السيد حسن نصرالله نجح في مواجهته لاسرائيل، بكسب ذلك الشارع. ثم ان اي سلام فلسطيني ـ اسرائيلي يُعتبر هزة استراتيجية لسوريا وايران، فهو يضعف سوريا ويؤثر على مفاوضاتها مستقبلا مع اسرائيل لاستعادة الجولان، ويقلق ايران لأنه قد يؤدي الى تهدئة العلاقات العربية ـ لاسرائيلية، الامر الذي من شأنه ان يعزل طهران.
يستبعد محدثي، اذا ظلت العمليات الاسرائيلية محصورة في لبنان، ان تنتهي قريبا، لأن ايران تريد الاحتفاظ بورقة حزب الله كوسيلة ضد الانظمة العربية وتريد الاستمرار في اظهار صداقتها كدولة شيعية للفلسطينيين، لأن هذا يساعدها في بحثها عن دور اقليمي فاعل. اما سوريا، فانها تريد ان تظل تضغط كي يستمر حزب الله في مواجهاته مع اسرائيل، لأن هذا لا بد ان يؤدي الى حرب اهلية في لبنان، الامر الذي يسمح لها باستعادة نفوذها فيه. لكن ليس مضمونا ان يبقى لبنان المسرح الوحيد لتلقي الضربات التدميرية الاسرائيلية، كما ان الدعم الايراني ـ السوري لحزب الله قد يضعف اذا ما هددت اسرائيل بتوسيع الحرب اقليميا.
من جهة اخرى ، يرى سياسي لبناني، ان اللعبة التي تورط فيها حزب الله، قد تؤدي الى ما هو اخطر من المراهنات السورية ـ لايرانية، وان السيد حسن نصرالله ادرك متأخرا وقوعه في الفخ، وان لبنان مقبل على توطين الفلسطينيين في جنوبه، ومقبل على ما يشبه التقسيم بحيث يصبح الشيعة في البقاع، حتى اذا ما جاء دور تقسيم سوريا كان سهلا ضمهم الى الدولة العلوية في سوريا.
إن الشرق الاوسط الجديد الذي قال السيد حسن نصرالله انه سيقاتله، ربما يكون قد بدأ عندما خطف حزب الله في 12 تموز (يوليو) الماضي جنديين اسرائيليين وقتل ثمانية اخرين في كمين نصبه لدورية وراء الخط الازرق على الحدود.
(( بغض النظر عن موافقتنا لكل أفكار المقال .. ولكن هناك حروف بين السطور تستحق التفكير))